2025-08-31     عدد زوار الموقع: 6066986

ضفادع تتقافز حول المستنقع ابراهيم عبدالمجيد القيسي

من بين ما تقدمه لي هذه الأيام، الخوارزميات الموجّهة حسب ميول ورغبات عابري الفيسبوك، دراما آسيوية شرقية (صيني كوري ياباني)، وهي بالطبع يسكنها شعوب يتمتعون بمزايا حضارية عميقة، زاخرة بالتنوع فوق غزارة وجزالة معانيها وأفكارها، ومن بين الامثلة المتداولة المحكية في ثقافات هذه الشعوب، قولهم عن الصغار حين يطمعون بالاستيلاء على امتيازات الكبار، مثل يشبه قولنا الشعبي (أجو يحذو الخيل مدّ الفار رجله)، لكنهم يقولونه بطريقة أخرى، فيشبهون الصغير التائه الضعيف البائس مقارنة بالكبار بأنه «ضفدع».. فيقولون (الضفدع الذي يحلم بأكل البجعة)، كناية عن «الغشم» و»الغباء والعمى»، فوق الجشع وشدة الجوع ..الخ الصفات المهينة، لصغير حقير تافه مقارنة بكبير عزيز قوي متزن.

هذا التشبيه المجازي يصلح لإسقاطه على بعض رواد بل كائنات السوشال ميديا بتطبيقاتها التفاعلية الكثيرة، وحتى تكتمل صورة السخافة التي تطاردها خوارزميات بعض هذه التطبيقات، المبنية أصلا على تقديم ما يريده مبرمجوها، عنوة، وبلا منطق او استحقاق، ليصبح في موقع يحظى بالمشاهدة والمتابعة، ويجري تحويل أنظار المبحرين في هذه التطبيقات لمثل هذه السخافات، وهذه جهود برمجية متعوب عليها بلا شك، وأصبحت اليوم مدعومة بخوادم «سيرفرات» ذات سرعات جبارة وقدرات تخزين عالية، لتقديم مثل هذه المحتويات للمتسكعين على شاشات التطبيقات الالكترونية الاجتماعية، وحتى يكتمل العمل التدميري للثقافات والحضارات والهويات، ويجري تعميم الرداءة والفوضى، منحت تلك الشركات ميزات تجارية تحت ذرائع أمنية لكل القوى والكيانات المستعدة كي تدفع، لتوجيه هذا العبث ليخدم مصالحها، حيث إن بعض الدول والشركات والقوى التي تملك المال، يمكنها ان تدفع مالا لتتحكم «جزئيا» في ما ينشر ويحذف في مناطق نفوذها.. وهذا ما نلمسه اليوم حرفيا على تطبيقات كثيرة، تعبث بالمحتوى وطريقة نشره او تغييبه عن عيون المستخدمين لتطبيقاتهم، فهناك «كودات» تباع لهذه الجهات لتقوم بجزء على مستوى معين من التحكم، ويتزايد مقدار التحكم تبعا للثمن (كلشي بسعره).

أقول إنك قد تفاجأ او للدقة لا تتفاجأ لو تقافزت أمامك بعض الضفادع التي تعجّ بها مستنقعات السوشال ميديا، فهي ليست صدفة انها شاهدت محتوى قمت بوضعه او حتى تعليقا أدرجته على محتوى ما، او مررت مجرد مرور على صفحة ذات محتوى معين، فتجد مثل هؤلاء يفرزون ما يعتقدونه فعلا عظيما او ربما سلاحا فتاكا، يؤيدون او يهاجمون رأيك ومعلوماتك وإدراجك او تعليقك..

قبل أيام أدرجت تعليقا اجتماعيا بسيطا، على درجة من الخصوصية، لأنه يتحدث عن تاريخي العائلي، ويتناول موقفا لجدنا الأكبر عبدالحي القيسي، وهو الاسم الخامس الذي تجده لو طلبت من أحد ابنائي كتابة اسمه من 7 مقاطع، اي انه على الأقل يتحدث عن فترة تاريخية تمتد لحوالي 150 عاما، وذلك لو كان الفرق في العمر بين اي اسمين 30 عاما..

كان المحتوى الرئيسي الذي قمت بالتعليق عليه (فيديو) يظهر فيه شاب عشريني يتحدث عن حادثة عشائرية تاريخية بالنسبة للعشائر المذكورة فيها، وكان الشاب وهو من عشيرة اردنية محترمة «الحنيطي» وليس قيسيا ولا عجرميا ولا من أية عشيرة شارك فرسانها آنذاك في هذه الحادثة، التي تنم عن مثالية أخلاق وقيم العشائر الاردنية، لا سيما في اواخر فترة الحكم العثماني للمنطقة، اي قبل نشوء الدولة الاردنية العتيدة الحديثة.. وحتى لا تطول المقالة، ساتجنب ذكر تفاصيل الرواية الطيبة التي يرويها الشاب في الفيديو، كما أعرفها ويعرفها جدودنا وأعمامنا وأبناؤنا، ويتغنون بها، لكن قفز كائن، ليقدم تعليقا بل توضيحا لتعليقي، وهو تعليق لا يتعلق بالرواية بل «بتاريخي العائلي»، يعني قام هذا الكائن بتعريفي بتاريخي العائلي!! وحين بحثت في معلوماته، وجدت بأنه تاريخيا من منطقة بعيدة جغرافيا عن مكان تواجد أجدادي وعن تاريخهم العشائري هناك.. فضحكت بالطبع، ولم أتفاجأ بشيء، فالنفسية الاجتماعية والتفكير والهمم والنوايا واضحة جدا في السوشال ميديا وعلى أرض الواقع أيضا.. ومن الطبيعي ان يقفز امامك محتوى في زمن الغباءين (الصناعي والطبيعي)، ويصوب لك اسمك وربما لون بشرتك فوق دماغك ونوايا قلبك..

بعض التفاعلات التي تحدث عبر السوشال ميديا، والتي ترصدها دون بحث واستقصاء وعناء، تجعلك تتحدث عن المثل الآسيوي المتعلق بضفدع يحاول ابتلاع البجع، بأنه ضفدع يحاول بلسانه الطويل الذي اعتاد ان يصطاد به الحشرات ليصارع جوعه، أن يحاول ابتلاع فيل في زمن طغت عليه مشاهد التسخيف والتضليل.

سامحوني على الإطالة.



شارك الخبر

استطلاع الأراء
هل تؤيد رفع اسعار الدخان وفرض ضريبة ؟

21693 المؤيدين

21500 المعارضين

21462 المحايدين

محايد لا نعم