رحيل أكرم الحمصي ونقلة نوعية في المسار الحزبي
حمادة فراعنة
الحلقة الثانية
عتب أحد الأصدقاء على مقالة الأمس «رحيل أكرم الحمصي»، لأن المعلومة حول ترخيص الأحزاب اليسارية والقومية، واللقاءات التي بادرت لها، وجمعت رئاسة حكومة الشريف زيد آنذاك مع قادة الأحزاب الخمسة في بيتي، لم تكن كافية، ولم تشبع رغبته في الحصول على المزيد من التفاصيل والوقائع والأحداث، وهو محق في ذلك، ولذلك يمكنني تسجيل ووصف ذلك الحدث التي تم في اللقاء الحكومي- الحزبي لم يكن إجرائياً، أو بناء علاقات عامة بين الطرفين، بل كان حدثاً غير مسبوق بأهميته لصالح العمل السياسي، وحرية تشكيل الأحزاب السياسية، وإقامة التعددية في بلدنا، بل كان ذلك اللقاء هو تعبير وانعكاس للمصالحة الوطنية التي بادرت لها أيضاً بين الراحل الملك حسين، وقوى المعارضة السياسية القومية واليسارية، وهو موضوع إضافي يحتاج لوقفة أخرى، ومقال آخر.
لقد كان اللقاء بين الحكومة وقوى المعارضة اليسارية والقومية، أول لقاء رسمي منذ عام 1957، حينما صدر قرار منع النشاط السياسي الحزبي، ومصادرة حق الأردنيين في تشكيل أحزابهم السياسية، على أثر إعلان الأحكام العرفية عام 1957، ولم يكسرها سوى قرار رأس الدولة الراحل الملك حسين، حينما أصدر قراراً استثنائياً بتعليق قرار المنع والسماح لممثلي الأحزاب بالترشح للانتخابات النيابية عام 1989.
في لقاء شهر تشرين الثاني عام 1991، في بيتي، وهو اللقاء الاول وضم من طرف الحكومة: الشريف زيد بن شاكر، ذوقان الهنداوي، علي سحيمات وإبراهيم عز الدين، ومن طرف الأحزاب اليسارية والقومية الخمسة: 1- الحزب الشيوعي د. يعقوب زيادين وآمال نفاع، 2- حزب الشعب: تيسير الزبري وسالم النحاس، 3- حزب الوحدة: عزمي الخواجا وفوز خليفة، 4- حزب البعث الاشتراكي: تيسير الحمصي وأحمد النجداوي، 5- حزب البعث التقدمي: محمود المعايطة وفؤاد دبو، وكان حدثاً سياسياً كسر حاجز القطيعة والعزلة، التي استمرت سنوات بين الحكومات المتعاقبة وقوى المعارضة الحزبية اليسارية والقومية.
وقد اتفقت سلفاً مع الأصدقاء والرفاق الذين ربطتني معهم متاعب واعتقال وعسف متعدد الأشكال والعناوين والأدوات، على أن أقول ما يمكن قوله، حتى لا ينفجر الاجتماع الأول وتفشل المهمة والرغبة في تجاوز حصيلة سنوات الحكم العرفي، وما وصفه الراحل الملك حسين حينما أوردت أمامه سنوات القسوة والقحط بقوله: «كل منا كان أسير موقعه» و» نحن جميعا كنا أسرى الظروف والمعطيات السياسية الخارجة عن ارادتنا و التي لم تكن مستقرة في منطقتنا».
قلت في ذلك اللقاء موجهاً الحديث للشريف زيد، الذي ركّز على أن الأحزاب اليسارية والقومية تشكل امتداداً لمرجعيات غير أردنية: الشيوعية، البعث، فصائل المقاومة، وهي تهمة لم تتبرأ منها الأحزاب بل أكدتها وأنها تفخر بأنها امتداد لتوجهات أممية وقومية وفلسطينية ولكن قراراتها الأردنية الداخلية مستقلة، ومستقلة جداً تعكس أمن الأردن والحرص عليه.
قلت للشريف وللطاقم الحكومي: ألم ترخصوا للإخوان المسلمين حزبهم؟؟ وكان الجواب واضحاً بالموافقة، وقلت أيضاً الإخوان المسلمين هم امتداد قوي لجماعة الإخوان المسلمين في العالم، وهم يدينون بالولاء للمرشد العام للإخوان المسلمين وهو مصري، وهكذا هي الأحزاب اليسارية والقومية الأردنية، والمطلوب منهم رسمياً هو: قبولهم وإقرارهم بـ: 1- الدستور، 2- قانون الأحزاب، 3- الميثاق الوطني، وهكذا تمت الموافقة من قبل طرفي المعادلة، بعد اللقاء الثاني الذي حصل في منزل الوزير علي سحيمات بعد شهر من اللقاء الأول، وتوج في رئاسة الوزراء يوم 8/1/1992، بصدور القرار السياسي الأول منذ عام 1957، بالسماح والترخيص وحرية العمل الحزبي، بعد سنوات من المنع والملاحقة، وكانت النتيجة إصرارا من قبل حزب البعث العربي الاشتراكي التمسك باسمه بدون تعديل، وكذلك الحزب الشيوعي الاردني.
حدث هام يُسجل في تاريخ الأردن، والفضل في ذلك يعود للملك حسين الذي نفذته حكومة الشريف زيد، وللأحزاب القومية واليسارية التي تكيفت مع التطورات الجديدة، من أجل أمن الأردن واستقراره وتقدمه وديمقراطيته وتعدديته، ولولاهم وشجاعتهم لما نجحت مبادرتي في جمع طرفي المعادلة في منزلي بين: الحكومة مع المعارضة.








