«مجلس السلام» بين رد الفعل الفلسطيني والعربي واستحقاقات اليوم التالي
علي ابو حبلة
أعاد الجدل الدولي الدائر حول تشكيل ما بات يُعرف بـ «مجلس السلام» الخاص باليوم التالي لغزة فتح النقاش حول طبيعة التسوية المقبلة، واتجاهات الموقف الأميركي، ومواقف الأطراف الإقليمية والدولية من إدارة المرحلة الانتقالية. فوفقًا لتسريبات أفادت بها القناة 12 الإسرائيلية، فإن المكالمة التي جرت بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو حملت رسالة واضحة مفادها أن لا تراجع عن قرار الإدارة الأميركية بشأن تشكيل هذا المجلس، وأن انفتاح واشنطن على إشراك كل من تركيا وقطر بات جزءًا من معادلة «اليوم التالي».
هذا التطور يتقاطع مع موقف أوروبي لافت، عبّر عنه رئيس فنلندا الذي دعا إلى أن تكون الأمم المتحدة الجهة القادرة على توفير الإطار الشرعي والدبلوماسي لأية وساطة أو ترتيبات سلام مقبلة، بما يعيد دور القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة إلى طاولة التسوية بعد مرحلة طويلة هيمنت عليها «منهجية الصفقات» والتفاهمات الثنائية.
على الصعيد الفلسطيني، تتباين القراءة بين مخاوف من أن يؤدي هذا المسار إلى إدارة دولية لقطاع غزة منفصلة عن الضفة الغربية والقدس، وبين إدراك لوجود فرصة لإعادة تثبيت المرجعية الفلسطينية السياسية والقانونية التي تستند إلى قرارات الأمم المتحدة ومخرجات مؤتمر نيويورك ومحكمة العدل الدولية التي اعتبرت الأراضي الفلسطينية أراضي محتلة وطالبت بإنهاء الاحتلال وتفكيك المستوطنات. فغياب الفلسطينيين عن طاولة التشكيل سيؤدي عمليًا إلى خلق إطار يفتقر للشرعية الوطنية، ويعيد إنتاج الفصل الذي أعقب أحداث عام 2007 ولكن هذه المرة بغطاء دولي.
أما على المستوى العربي، فإن العواصم الرئيسة المؤثرة (القاهرة، عمّان، الرياض) تنظر بحذر إلى المشروع، وتربط مشاركتها المحتملة فيه بضمان وحدة الأراضي الفلسطينية ومنع فصل غزة عن الضفة الغربية والقدس، وبدعم مسار يقود لإنهاء الاحتلال وليس لإدارة أزماته. فالعرب يدركون أن «إدارة غزة» بمعزل عن «حل القضية الفلسطينية» سيُبقي جذور الصراع مفتوحة، ويحوّل القطاع إلى ساحة تفاهمات اقتصادية وأمنية بلا أفق سياسي.
في المقابل، تحاول إسرائيل مقاومة أية صيغة دولية أو إقليمية تُخرج ملف غزة من دائرة السيطرة الأمنية وتربطه بالضفة والقدس عبر صيغة سياسية أو تفاوضية. فالمؤسسة الإسرائيلية تدرك أن الربط بين الأقاليم الثلاثة يؤدي إلى إعادة الاعتبار لفكرة الدولة الفلسطينية، وهذا ما يتناقض مع مسار الاستيطان والضم الزاحف في الضفة الغربية ومحاولات فرض وقائع ديموغرافية وإدارية ودينية في القدس تحول دون قيام أية تسوية عادلة لاحقًا.
من هنا يصبح الحديث عن «مجلس السلام» مرتبطًا بمستقبل الضفة الغربية والقدس بقدر ارتباطه بغزة، لأن جوهر الصراع لم يكن يومًا إنسانيًا أو إداريًا، بل كان وما زال صراعًا على الأرض والسيادة وتقرير المصير. فإذا ما تم التعامل مع غزة بوصفها كيانًا قائمًا بذاته، فإن المسار سينتهي بتكريس فصل تاريخي ينعكس سياسيًا وقانونيًا على مستقبل القضية الفلسطينية. أما إذا تم التعامل معها كجزء من وحدة سياسية واحدة مع الضفة والقدس، فإن المدخل يصبح تسوية أوسع قادرة على وضع الاحتلال أمام استحقاقات القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
الخلاصة أن العالم بدأ ينتقل من إدارة الحرب إلى إدارة ما بعد الحرب، لكن نجاح هذا الانتقال مرتبط بمدى قدرة «مجلس السلام» على الالتزام بالشرعية الدولية، وبقدرة الفلسطينيين والعرب على منع الفصل، وبقدرة الأوروبيين على إعادة القانون الدولي إلى طاولة السياسة، وبقدرة واشنطن على الانتقال من ترتيبات أمنية إلى تسوية سياسية حقيقية. هذه هي المعضلة التي ستحدد شكل الصراع في السنوات المقبلة، ليس في غزة فقط، بل في الضفة الغربية والقدس وسائر الجغرافيا الفلسطينية








