كافر الملعقة
د . سند ابو راس
جلس خلدون على مائدة الطعام مع أسرته، وأخذ يتأمل الملعقة بين يديه. تنهد تنهيدةً عميقة وقال:
«لماذا نستخدم الملعقة؟»
أجابته أخته الصغيرة، التي لم تتجاوز الخامسة من عمرها:
«حتى نضع الطعام في فمنا».
لم يقتنع خلدون بتلك الإجابة؛ فهي صغيرة ولا تفقه الكثير عن الحياة، على حدّ ظنه. وبدأ يتأمل كيف أن جميع الناس يستخدمون الملعقة بلا تفكير، فقط لأن الآخرين يستخدمونها. عندها قرر أن يبدأ رحلة فكرية للبحث عن بديلٍ عنها. رمى الملعقة من يده وكفر بمبدئها، لأن استخدامها أصبح عادةً عمياء، وربما كما اعتقد هناك ما هو أفضل منها.
راح يحدث نفسه قائلاً:
«لماذا نرضى بمبدأ الملعقة فقط لأن الجميع يستخدمها؟ لا بد أن هناك ما هو أرقى وأذكى».
في رحلته الفكرية، بدأ خلدون باستخدام يديه للأكل، لكنه مرض أكثر من مرة بسبب الجراثيم العالقة بهما؛ فحتى مع الغسل الجيد، تبقى بعض الجراثيم بين الأصابع وتحت الأظافر. إضافة إلى ذلك، ليس كل الطعام صالح للأكل باليد.
ثم حاول شرب الحساء مباشرة من الصحن، فكان إما أن يحرق فمه إذا كان ساخنًا، أو ينسكب الحساء من حول فمه في مشهدٍ عبثي.
بعدها استخدم المغرفة، لكنه وجدها غير ملائمة للأكل، ثم استنتج أنها ليست سوى ملعقة كبيرة.
حاول لاحقًا استخدام أدوات أخرى، كالشوكة وملقط الطعام، لكن جميع محاولاته باءت بالفشل.
حتى إنه جرب أن يأكل كما تفعل القطط، بأن يضع وجهه مباشرة في الصحن، إلا أن ذلك لم يكن عمليًا ولا مجديًا.
وفي النهاية، اكتشف خلدون أن مبدأ الملعقة، الذي استخدمه البشر منذ آلاف السنين، هو مبدأ سليم وصل إلى أفضل حالة ممكنة، ولا يحتاج إلى تحسين.
أضاع خلدون وقتًا، وأهدر طعامًا، وهو يحاول أن يضع الفلسفة في غير موضعها، ظانًا أن الكفر بالمبادئ، والتشكيك بحكمة من سبقوه من البشر، هو طريق الفلسفة والحكمة والتميّز.
ولستُ أقول إن على الإنسان أن يُسلِّم بكل الموروثات دون تفكير أو نقد، ولكنني أقول إن هناك مبادئ توصّل إليها البشر عبر آلاف السنين، وثبتت صلاحيتها، ولا يمكن العبث بها أو تعديلها لمجرد الرغبة في الاختلاف.
يكمن خطر هذا المنهج في أن صاحبه يهدم مبادئ السابقين بغير وجه حق، ويظن نفسه أرفع شأنًا ممن سبقوه، وأنهم كانوا أغبياء لا يفقهون، بينما هو الوحيد الذي فك شيفرة الحياة. هذا الوهم يجعله أكثر عرضة للانحرافات الفكرية التي تقوده إلى الكفر بكل المعاني، حتى تنهدم منظومته الفكرية بالكامل، ويدخل مرحلة اللاعودة؛ فلا يستطيع الرجوع إلى إيمانه السابق، ولا يقدر على بناء إيمان جديد، لأنه فقد أي مبدأ صلب يمكن أن يؤسس عليه منظومة فكرية متماسكة.








