الذكاء الاصطناعي يغيّر وظائف الموارد البشرية
اللحظة الاخباري -
في وقت تتسارع فيه الشركات نحو تبني الذكاء الاصطناعي وخفض التكاليف، تجد إدارات الموارد البشرية نفسها أمام تحول قد يعيد رسم طبيعة عملها بالكامل. فالتقنيات التي بدأت بأتمتة فرز طلبات التوظيف والرد على استفسارات الموظفين أصبحت قادرة على تولي جزء متزايد من المهام التي شكّلت لعقود جوهر عمل هذه الإدارات.
وخلال مؤتمر لجمعية إدارة الموارد البشرية في أورلاندو، حذّر رئيس الجمعية جوني تايلور من أن التحول يطال قطاعاً يضم نحو 1.6 مليون متخصص في الولايات المتحدة و6.7 مليون حول العالم، وسط تصاعد التساؤلات داخل الشركات حول حجم الحاجة مستقبلاً إلى فرق الموارد البشرية بصورتها التقليدية.
ثلثا المهام قابلة للأتمتة
المؤشرات على هذا التحول بدأت تظهر في سوق العمل الأميركية. فقد انخفض عدد العاملين في خدمات التوظيف، وهي فئة تشمل متخصصين في الموارد البشرية إلى جانب وظائف إدارية وتنفيذية، بنسبة 18% مقارنة بذروته البالغة 3.9 مليون موظف في مارس 2022، وفق بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي، في وقت ارتفع فيه إجمالي الوظائف في الولايات المتحدة 5%.
ويقدّر معهد "ماكينزي غلوبال" أن نحو ثلثي المهام التي تنفذها إدارات الموارد البشرية قابلة للأتمتة، ما يجعل استخدام الذكاء الاصطناعي خياراً جذاباً للشركات الباحثة عن خفض النفقات، خصوصاً أن متوسط الراتب السنوي لمدير الموارد البشرية بلغ 140,030 دولاراً وفق بيانات عام 2024.
ويرى شون كول، الرئيس والشريك المؤسس لشركة "كاون بارتنرز إكزكيوتيف سيرش"، أن النموذج التقليدي لمدير الموارد البشرية التنفيذي بدأ يفقد مكانته، إذ تستطيع التكنولوجيا تولي جانب متزايد من الأعمال المرتبطة بالامتثال وإدارة المزايا والإجراءات الإدارية.
شركات تقلّص فرق الموارد البشرية
بدأت بعض الشركات بالفعل تقليص هذه الإدارات. فقد ألغى رايان بريسلو، الرئيس التنفيذي لشركة "بولت"، إدارة الموارد البشرية بالكامل، معتبراً أنها كانت تخلق مشكلات داخل الشركة بدلاً من حلها. كما خفّضت شركات كبرى، بينها "ميتا" و"أوبر"، أعداد العاملين في فرق الموارد البشرية ضمن خطط لإقامة هياكل تنظيمية أقل حجماً.
لكن اختفاء هذه الإدارات بالكامل لا يبدو سيناريو بسيطاً. فالموارد البشرية لا تقتصر على التوظيف والإجراءات الإدارية، بل تشمل التعامل مع النزاعات والتحقيق في سوء السلوك وإدارة التحولات التنظيمية وبناء ثقافة العمل.
ويحذر جاي آر كيلر، الأستاذ المشارك في دراسات الموارد البشرية بجامعة كورنيل، من أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في ملفات حساسة، مثل تقييم الأداء والتعويضات والمزايا، قد يؤثر في ثقة الموظفين. وتشير أبحاث إلى تراجع ثقة العاملين في تقييمات الأداء عندما يعرفون أنها أُعدت بواسطة الذكاء الاصطناعي بدلاً من مدير أو مسؤول بشري.
من إدارة الموظفين إلى إدارة الذكاء الاصطناعي
في المقابل، تحاول إدارات الموارد البشرية تحويل التهديد إلى فرصة لإعادة تعريف دورها. فبدلاً من التركيز على المعاملات والمهام الروتينية، تتجه بعض الشركات إلى جعل هذه الإدارات مسؤولة عن إدارة العلاقة الجديدة بين الموظفين والذكاء الاصطناعي.
في شركة "إم إس إنترناشونال"، انتقلت مسؤولية الإشراف على أدوات الذكاء الاصطناعي من إدارة تقنية المعلومات إلى الموارد البشرية، وانضم نحو 100 مطور برمجيات للعمل تحت إشرافها. وتسير شركة "كوغنيزانت تكنولوجي سولوشنز" في اتجاه مشابه، إذ تعمل رئيسة شؤون الأفراد كاثي دياز على ضم مهندسين إلى إدارتها لتطوير أدوات ذكاء اصطناعي تستهدف رفع إنتاجية الموظفين.
وظيفة جديدة للموارد البشرية
يتغير أيضاً نوع الكفاءات التي تبحث عنها الشركات. فبدلاً من مسؤول الموارد البشرية الذي يركز على الإجراءات والامتثال، يزداد الطلب على أشخاص قادرين على إعادة تصميم سير العمل وإدارة فرق تجمع بين البشر والأنظمة الذكية وتحديد المهام الأنسب لكل منهما.
وفي "دروب بوكس"، أجرت إدارة شؤون الأفراد مراجعة للمهام التي يمكن أتمتتها، ووضعت تصوراً تصبح فيه عملية تقييم المرشحين أكثر اعتماداً على المحاكاة الوظيفية المؤتمتة، بينما ينتقل موظفو التوظيف من فرز السير الذاتية وإجراء المقابلات إلى تخطيط القوى العاملة وتقديم المشورة الاستراتيجية للإدارات.
وبذلك، لا يشير صعود الذكاء الاصطناعي بالضرورة إلى اختفاء الموارد البشرية، بقدر ما يضع شكلها التقليدي تحت الضغط. فالمهام الإدارية والروتينية مرشحة للتراجع، بينما يتحول مستقبل المهنة نحو تصميم بيئة العمل وإدارة التحول وتحديد الحدود بين ما يؤديه الإنسان وما يمكن إسناده إلى الذكاء الاصطناعي.







