2026-09-23     عدد زوار الموقع: 6545653

الملك عبدالله الثاني.. صوت الأردن الواثق في عالم مضطرب

بقلم : د. الامين ابو هزيم

في لحظة دولية مزدحمة بالأزمات، حيث تتسابق الحروب على انتباه العالم وتزدحم أجندة الأمم المتحدة بالملفات المفتوحة، اختار الملك عبدالله الثاني أن يبدأ خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة من مكان مختلف: من الإنسان، ومن قيمة الانتباه، ومن قدرة العالم على رؤية الأزمات قبل أن تتحول إلى وقائع يصعب تغييرها. لكن خلف هذا المدخل الإنساني، كان الأردن حاضراً بوضوح، بأمنه وحدوده ومياهه ومصالحه الوطنية، قبل أن ينتقل الخطاب إلى القضية الفلسطينية التي ظلت في صلب الرسالة الأردنية إلى المجتمع الدولي.

هذه البداية تكشف جانباً مهماً من الدبلوماسية الملكية؛ فالأردن لم يظهر في الخطاب بوصفه مراقباً لأزمات المنطقة، وإنما دولة تدرك موقعها الجغرافي والسياسي وما يفرضه عليها من مسؤوليات. وعندما تحدث الملك عن التطورات في الجنوب السوري، وعن ما وصفه بالتهديد الذي يمكن أن يطال الأردن وأمنه المائي والحدودي، كان يضع الأمن الوطني الأردني في سياقه الإقليمي الأوسع، ويوصل رسالة واضحة بأن استقرار الأردن ليس ملفاً منفصلاً عن استقرار المنطقة. وقد شدد في هذا السياق على أن الأردن سيتحرك لحماية حدوده وأمنه المائي.

وما يلفت في الخطاب أن الحديث عن المصالح الأردنية لم يأتِ بصيغة انعزالية أو منفصلة عن محيطها، بل ضمن رؤية ترى أن أمن الدول لا يمكن فصله عن الأمن الإقليمي والدولي. وهذه واحدة من أكثر سمات الدبلوماسية الأردنية وضوحاً؛ الدفاع عن المصالح الوطنية مع إبقاء الأبواب مفتوحة أمام الحلول السياسية والتعاون الدولي، وهي معادلة حافظ الملك على حضورها في خطاباته أمام المحافل الدولية.

ومن الأردن، انتقل الملك إلى فلسطين، لكن من دون أن يتعامل معها باعتبارها أزمة منفصلة عن الإقليم. فقد وضع غزة والضفة الغربية ضمن مسار واحد، محذراً من أن السياسات الإسرائيلية على الأرض تجعل إقامة الدولة الفلسطينية أكثر صعوبة، ومشدداً على أن ما يجري لا ينبغي أن يتحول إلى واقع دائم تتعامل معه الأسرة الدولية باعتباره أمراً طبيعياً. 

هنا تحديداً برزت قوة الخطاب الدبلوماسي؛ فالملك لم يكتفِ بتكرار الموقف الأردني المعروف من القضية الفلسطينية، وإنما نقل النقاش إلى مسؤولية المجتمع الدولي نفسه. فالمشكلة، كما طرحها، ليست في غياب الأدوات الدولية، وإنما في كيفية استخدامها، وفي قدرة المجتمع الدولي على الانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة أسبابه وجذوره. وهو طرح يتقاطع مع نهج أردني متكرر في الخطابات الملكية أمام الأمم المتحدة، يقوم على أن إدارة الأزمات وتأجيلها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحلول السياسية والقانونية المستدامة. 

وفي حديثه عن غزة، حافظ الملك على مركزية البعد الإنساني، لكنه لم يفصل هذا البعد عن البعد السياسي. فالأردن الذي لعب دوراً رئيسياً في إيصال المساعدات الإنسانية إلى الفلسطينيين، ظل في الخطاب طرفاً فاعلاً في محاولة تخفيف المعاناة، وفي الوقت نفسه دولة تدفع باتجاه حل سياسي ينهي الصراع ولا يكتفي بإدارة نتائجه. وهذا الجمع بين العمل الإنساني والتحرك السياسي يمنح الموقف الأردني مساحة تتجاوز البيانات والمواقف التقليدية إلى ممارسة دور عملي على الأرض.

كما أن تركيز الملك على القدس والقضية الفلسطينية جاء في إطار أوسع من الحسابات السياسية اليومية، انطلاقاً من المكانة الخاصة للمدينة والمسؤولية الأردنية تجاه مقدساتها الإسلامية والمسيحية. وهو بذلك أبقى القضية في إطارها التاريخي والقانوني والديني، وليس فقط في إطار تطورات الحرب الحالية.

لكن اللافت أن الخطاب لم يتوقف عند المنطقة. فالملك عاد إلى الفكرة التي بدأ بها: عالم يتغير بسرعة، وتكنولوجيا تتقدم بصورة غير مسبوقة، وقدرة الإنسان على التركيز والانتباه تتراجع في الوقت الذي تتزايد فيه الأزمات التي تحتاج إلى اهتمام دولي حقيقي. واستحضاره لهذه المسألة في خطاب سياسي أمام الجمعية العامة منح الكلمة بعداً مختلفاً؛ إذ لم يتحدث الأردن فقط عن أزمات الشرق الأوسط، بل عن الطريقة التي يتعامل بها العالم مع أزماته وكيف يمكن أن يفقد المجتمع الدولي قدرته على الاستجابة عندما تصبح الأزمات متلاحقة إلى درجة تجعل إحداها تزاحم الأخرى. 

ومن هنا تبدو الدبلوماسية الملكية في خطاب اليوم قائمة على أكثر من رسالة في وقت واحد: الأردن يحمي مصالحه وأمنه، ويتمسك بموقفه الثابت من فلسطين والقدس، ويدفع باتجاه حل سياسي، وفي الوقت نفسه يخاطب العالم بلغة تتصل بتحدياته الجديدة من التكنولوجيا إلى تراجع الثقة بالمؤسسات الدولية.

قوة الخطاب لم تكن في رفع سقف الكلمات، وإنما في ترتيب الأولويات. بدأ بالإنسان، مرّ بالأردن وأمنه ومصالحه، انتقل إلى فلسطين وغزة والضفة الغربية، ثم وضع كل ذلك أمام سؤال أكبر يتعلق بمسؤولية المجتمع الدولي وقدرته على الفعل. وهذه ربما إحدى أبرز ملامح الحضور الأردني في المحافل الدولية: أن تكون الرسالة الوطنية حاضرة بقوة، من دون أن تنفصل عن الرسالة الإقليمية والإنسانية والدولية.

وفي نيويورك، لم يكن الملك يتحدث باسم الأردن فقط عن أزمة واحدة، بل كان يقدم رؤية دولة تعرف موقعها ومصالحها، وتدرك في الوقت نفسه أن حماية تلك المصالح تمر عبر منطقة أكثر استقراراً، وحلول سياسية أكثر عدلاً، ونظام دولي أكثر قدرة على تنفيذ ما يعلنه من مبادئ.

وهكذا جاء خطاب الملك عبدالله الثاني ليؤكد أن الدبلوماسية الأردنية لا تقوم على رد الفعل، بل على وضع القضايا في سياقها الأوسع؛ من أمن الأردن إلى أمن المنطقة، ومن غزة إلى مستقبل الدولة الفلسطينية، ومن أزمات اليوم إلى أسئلة العالم الذي يتشكل أمامنا وهي دبلوماسية تمنح الأردن مساحة للتحدث بصوت واضح، من دون أن تفقد قدرتها على مخاطبة المجتمع الدولي باللغة التي يفهمها: لغة المصالح، والقانون، والسلام، والمسؤولية.



شارك الخبر
استطلاع الأراء
هل تؤيد رفع اسعار الدخان وفرض ضريبة ؟

40323 المؤيدين

40539 المعارضين

40077 المحايدين

محايد لا نعم